الافتتاحية

كلمة الثورة أون لاين

هل بقي وقت..؟

ثورة أون لاين- أنيسة عبود:
لم يذبل الورد على قبر نعيم منذ سقوطه شهيداً قبل أربع سنوات.

إذ تستيقظ أم نعيم كل صباح وتقطف له بعض الورود البرية من الحديقة وتضعها على قبره‏

وهي تقرئه السلام وتبكي. لم يكن لنعيم أي مكان ليستريح فيه بعد معارك حلب والسفيرة وإصابته في إدلب وعودته جريحاً إلى الفوعة سوى حديقة البيت.‏

كان الحصار قد اشتد على البلدة وكانت القناصات تخردق الليل والصباح وتصمّ آذان النوافذ..الناس يموتون جوعاً وعطشاً.. لا أدوية ولا أغذية، وكل المناشدات للعالم الخارجي ذهبت سدى.. العالم لا يسمع المظلومين.. هو يسمع فقط للمتوحشين الذين يدعمهم الغرب ويوصل أخبارهم الملفقة الكاذبة. استشهد الكثيرون من أبناء البلدة.. وقضى بعض الجرحى لا نعدام الأدوية والعناية الطبية.‏

كثيرة هي البلدات التي حوصرت.. لكن حصار كفريا والفوعة طال كثيراً فاستشهد نعيم في جراحه.. لم تستطع العائلة أخذه إلى المقبرة فتمّ دفنه في حديقة المنزل.. كانت أغصان شجيرة الرمان تتدلى فوقه وكانت أزهار الياسمينة تهطل كدموع على رأسه. تشهق أم نعيم وتخاطب ابنها (عندما تتحرر القرية يا نعيم سأبني لك بيتاً يليق بك يا بطل..) هي تقصد قبراً حوله الأزهار ونبات (العطرة) التي يحبها.. وكانت مستعدة لأن تبقى عطشى من أجل أن تسقي النباتات التي حول قبره.‏

القبر قريب يا أم نعيم.. اتقي الله.. لا تنوحي طيلة اليوم فوق قبر نعيم.‏

كانت الجارة تقول لأم نعيم التي لا تسمع سوى قلبها.. وإذا ما تعبت من اللوم كانت تهزّ رأسها وتقول (ما حدا بيعرف لوعة الضنى إلا أمه. الأخ بينسى والزوجة بتنسى والأبن بيسلى.. لكن الأم لا تنطفئ نار قلبها أبداً.‏

ثم تتنهد كما لو أنها تقذف بحمم بركانية حارقة تخرج من جوف جبل صامت تدير وجهها إلى القبر (غداً يأتي الجيش السوري ويحررنا.. سيأتي رفاقك يا نعيم ويحررونك يا ولدي.. سأرش الرز عليهم أو الحنطة.. لكنها سرعان ما تتذكر أنه لا يوجد في البلدة لا رز ولا حنطة ولا طحين إنهم يأكلون أعشاب البرية وبقلها منذ زمن طويل.‏

مع ذلك عندما جاء الفرج وتمت الموافقة على خروج أهل الفوعة وكفريا من الحصار المميت رفضت أم نعيم أن تخرج.‏

الجيران منهمكون بجمع بعض أغراضهم وذكرياتهم وأم نعيم تراقب بصمت وهي تحرس قبر ابنها.. ناداها زوجها يحضها على الخروج إلى الباصات التي ستقلهم وتوزعهم على عدة مدن سورية.. أم نعيم قالت أنا لن أخرج و أترك نعيم.‏

سأنتظر الجيش..‏

قيل لها الاتفاق مع المسلحين يقضي بخروج أهالي البلدة إلى منطقة آمنة..‏

قالت لا يوجد أأمن من قبر ابني ثم راحت تتوسد التراب قرب ابنها ولما سحبها زوجها قال باكياً (كنا نتمنى أن نتحرر بغير هذه الطريقة لنبقى في بيوتنا وأرزاقنا ولكن هذا الذي حصل).‏

ردت أم نعيم وهي تمسح على قبر ابنها.. ونعيم لمن نتركه وابن خالته جواد.. وابن عمته حسن وابن الجيران محمد..و.. وراحت تعدد أسماء الكثير من الشهداء الذين استشهدوا من أجل أرضهم وأهلهم ووطنهم.. واستغربت من سيسقي ورودهم ومن سيرش عليهم الماء كل صباح؟.‏

حاول الزوج أن يقنع أم نعيم بالذهاب إلى الباصات المنتظرة.. إلا أنها سقطت مغمى عليها فوق قبر ابنها وعندما استيقظت كانت قد وصلت إلى مدينة حلب.. نظرت حولها وهمهمت مقهورة وهي تسأل (هل بقي وقت لنبني وننسى؟)‏

كان الصمت أشدّ من الكلام فبقي الزوج صامتاً بينما أم نعيم تفكر وتسأل متى تكون العودة لتسقي الريحانة التي على قبر ابنها..‏

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث

عودة

Login

عودة القائمة

Cart

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية - جميع الحقوق محفوظة © 2018