الافتتاحية

كلمة الثورة أون لاين

«صبية الكهف.. في ضمير العالم»

ثورة أون لاين-لينا كيلاني:

عندما قال الأديب والشاعر السوري أديب إسحاق في القرن قبل الماضي مقولته الشهيرة: (قتل امرئ في غابة جريمة لا تغتفر.. وقتل شعب آمن مسألة فيها نظر)، لم تكن ملامح هذه الازدواجية في المعايير
ظاهرة بشكل جلي للعيان كحالها اليوم.. ولم يكن صاحب المقولة ليخطر في ذهنه أن التطور الحضاري بكل معطياته سيظل بعد قرابة قرنين من الزمان يعتبر أن قتل شعب آمن هو فعلاً مسألة فيها نظر.‏‏

وها نحن نسير ولا نقف.. ونقطع أشواطاً في الحضارة والتحضر.. ونخطو ونحن نكاد نقفز نحو رفاهية الإنسان، وإطالة سنوات الأعمار.. وتعقد عشرات المؤتمرات والمنتديات في كل عام للتذكير دوماً بما يسمونه بحقوق الإنسان.. تلك الحقوق التي لا بد من صونها، والاعتراف بها بين البشر.. وربما نسينا أن الأديان جميعاً ما جاءت إلا لتضبط علاقات الناس بعضهم ببعض بما يصون حقوق كل أحد حتى في أبسط حدودها، وطبعاً بعد التعريف بوجود الإله وضرورة عبادته.‏‏

إلا أن حدثاً استثنائياً طرأ في الأيام القليلة الماضية وجعل أهم محطات التلفزة في العالم، والأمريكية منها على وجه الخصوص تنشغل بقصة أولاد الكهف، وجعلني بالتالي أهتم بقصة أولئك الصبية الذين دخلوا مع مدربهم إلى كهف في جبال تايلاند بدافع الاكتشاف في توقيت خاطئ من أيام العام فإذا بالأمطار الغزيرة تفاجئهم لتحاصرهم مياهها، وتحبسهم داخل الكهف لأسبوعين من الزمن، وينقلب الاكتشاف إلى مغامرة حمقاء كادوا أن يدفعوا أرواحهم ثمناً لها لولا أن تنبه إليهم بعض السياح وهم في محنتهم، فكانت عملية الإنقاذ الخارقة التي رصد لها أكثر من ألف شخص من أمهر الغواصين، وأمهر المهندسين، وأطباء، وعلماء، وممن يرصدون الأجواء، وفرق عسكرية متخصصة، وخبراء نفسيين، الخ...، إلى جانب المراسلين الصحفيين، وكاميرات التلفزة في بث حي مباشر لحظة بلحظة، وسخرت من أجلها أحدث تقنيات الغوص والإنقاذ، وتجمعت حولها المروحيات، وسيارات الإسعاف المجهزة بأفضل الوسائل الإسعافية، والفرق الطبية، وفتحت المشافي أبوابها واسعة، وتوافد المتطوعون لمهمة الإنقاذ الخطرة هذه، أو شبه الستحيلة من كل أنحاء العالم.. بعد أن شفّت المشاعر الإنسانية إلى حد الرهافة بما يبرر ذلك الاندفاع العاطفي نحو الحدث غير الاعتيادي.‏‏

وتعقد المؤتمرات الصحفية، ويصبح الحدث عالمياً، بل يسمونه كابوساً عالمياً.. وتنهال على الصبية المحاصرين في كهف الموت الوعود، والدعوات، بعد أن يتم الإنقاذ طبعاً، لحضور الحدث الأكبر الذي جعل رأس العالم بين قدميه، ألا وهو (المونديال) ولعبة كرة القدم.‏‏

أحد عشر، أو اثنا عشر صبياً قادهم سوء حظهم، أو سوء تقديرهم مع مدربهم لخوض تجربة كانوا بغنى عنها، أقامت قصتهم الدنيا ولم تقعدها، وظلت أخبارهم التي حبست الأنفاس تعبر القارات، وحتى الفضائيات العربية لم تنجُ من بثها، إلى أن تم الإنقاذ بما يشبه المعجزة التي اشتركت في تحقيقها كل الأمم.. ذلك لأن الحياة الإنسانية غالية جداً، ولا يمكن التفريط بها.. طبعاً الحياة الإنسانية غالية، ويجب صونها بكل السبل، والإبقاء عليها، والحفاظ على حقوقها، ومن حق هؤلاء الصبية، وغيرهم أن تنقذ أرواحهم.‏‏

وها أنا أقف على مشارف ذلك الجبل الذي يحتضن الكهف لأسأل كل هؤلاء الذين دفعتهم ضمائرهم ليقوموا بعملية الإنقاذ التي تكاد تشبه أفلام هوليود: أين كانت ضمائركم عندما عرضت تلفزيونات العالم كيف يدق الإسرائيليون عظام أطفالنا في فلسطين حتى الموت؟.. أين هي أسماعكم وأخبار أطفال سورية تتطاير كما الفراش في الهواء؟.. هل أغمضتم أعينكم عندما كانت عدسات التصوير تعرض صور أطفال قانا، وجنوب لبنان عندما هُرست أجسادهم الغضة تحت هدم البيوت، وتناثرت أشلاؤهم بقصف إسرائيلي لمراكز قوات حفظ السلام الدولية وهي ترفع علم الأمم المتحدة؟ لماذا لم ترسلوا فرق الإنقاذ، ومشاعر الحب والسلام لكل هؤلاء؟ لماذا لم تكرس فضائيات العالم لقصصهم كما فعلت مع الصبية الآن؟.. أم أن أطفالنا ليسوا كباقي الأطفال، ولا مثل أقرانهم في تايلاند، أو في غيرها من البلدان؟.. أو أن المعايير في التعامل مع الطفولة تختلف من مكان لآخر فوق هذا الكوكب؟ ونحن بالتأكيد ما زلنا نعاني من ازدواجية المعايير.. فما هو خطر هنا يكون اعتيادياً هناك.. أم أن للمشاعر الإنسانية مواسم للصحو، وأخرى للغياب؟‏

جواب واحد يحضرني بعد تساؤلاتي هذه يعيدني إلى مقولة الشاعر التي تختصره: إنها مسألة فيها نظر، وهي بعرفهم لا تحتاج إلى إعادة النظر.‏

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث

عودة

Login

عودة القائمة

Cart

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية - جميع الحقوق محفوظة © 2018