الافتتاحية

كلمة الثورة أون لاين

جماليات الاستلهام

ثورة أون لاين- د. ثائر زين الدين:

ينكرُ البعضُ على شعرائنا أن يستلهموا موروث أمتهم القديم في نصوصهم الجديدة، انطلاقاً من أن على الشاعر أن يبدعَ نصّاً خاصاً به لا يشاركه فيه سواه.

لكن المسألة ليست بهذه البساطة، فكثيراً ما شاهدنا شعراءَنا المعاصرين يوظفون النصوص التُّراثية ذات المصادر المتنوعة في نصوصِهِم الجديدةِ توظيفاً فنيّاً، بحيث تَحمِلُ تلك النصوص شحناتها الهائلة وتصبّها في النص الجديد، بطرائق ووسائل فنيّة تجعَلُ النصوص القادمة من التراث طيّعة قابلة للدخولِ في النصوص الجديدة دون عناءٍ شديدٍ أو مقاومةٍ باسلة، وقد تصلُ درجة التآلف بين الضيفِ والمضيف حداً يتماهى كلٌّ منهما في الآخر، لتقديم رؤى الشاعر الحديث.‏

ولعل من الصوابِ أن نسمي مثل هذهِ الحالة «تناصاً» وتعالُقاً؛ وقد يكونُ التناص أسطورياً؛ بحيث يقعُ التعالقُ بين النص الجديد والنص الأسطوري العربي أو الفرعوني أو اليوناني أو السوري القديم؛ كما كنا نشاهد عند شعراء الخمسينيّات من أمثال السيّاب وعبد الصبور والبياتي وأدونيس... وقد يكونُ التناص دينياً مادتُهُ الكتب المقدسة أو قصص الأنبياءِ أو سواها والأمثلةُ هنا هائلة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ما فعله الشاعر أمل دُنقُل في قصيدتهِ الشهيرة «مقابلة خاصة مع ابن نوح» حين َ وظَّف حكاية الطوفان الذي أغرقَ البشرية... مستفيداً مما جاء في القرآن الكريم وفي الكتاب المقدّس وبدت شخصيّاتُ الحكايةِ أقنعةً معاصرة تجدُ لها أشباهاً يعيشون بيننا ومعنا، ويفاجئنا الشاعِرُ بقلب الأسطورة رأساً على عقب وتوظيف حكايتها وشخصياتها بصورةٍ جديدة ترمزُ إلى تمسك ابن نوح ورفاقهِ بالوطن في محنتِهِ، في طوفانه، وإدانة من فروا إلى السفينة لينجو بأنفسهم:‏

«جاء طوفانُ نوحْ‏

هاهمُ»الحكماءُ» يفرّونَ نحو السفينةْ‏

هاهم الجبناءُ يفرون نحو السفينةْ‏

بينما كنتُ‏

كان شبابُ المدينةْ‏

يلجمونَ جوادَ المياهِ الجموحْ‏

ينقلونَ المياهَ على الكتفينِ‏

ويستبقونَ الزمنْ‏

يبتنونَ سدودَ الحجارةِ‏

عَلّهمُ ينقذونَ مِهادَ الصبا والحضارةَ‏

علهم ينقذونَ... الوطنْ».‏

وقد يكون التناص شعرياً مثلاً، ولهذا التناص تقنيات عديدة منها أن يُضَمِّنَ الشاعر الحديث بيتاً أو أكثر من شعرنا القديم، مُحافظاً على المفردات والوزن لرفد القصيدة بأبعاد اجتماعيّة وجماليّة ونفسيّة جديدة، وقد يكتفي الشاعر بعبارة من بيت شعري إذا ما كان البيت واسع الشهرة، فإذا به يحقق غايته الدلاليّة، كما فعل ممدوح عدوان في مطلع قصيدة عنوانها «الوحش»:‏

«ما لجرحٍ بميتٍ...‏

ومالي بما يتساءلُ عنه الملأ‏

ليس هذا سوى جثّةٍ،‏

وثلاثون ألف قتيلٍ: نبأ.‏

دمنا لا يبلُّ الظمأ».‏

فالسطر الشعري الأول ما هو إلا عبارة مأخوذة من بيت المتنبي «من يهن يسهلُ الهوان عليه» وقد أراد ممدوح عدوان بهذا الاستهلال الموفّق أن يبدأ بتقديم حالة الإحباط، بل اليأس التي تتفشى بين العرب، فكل ما يعانيه أولئك الناس من آلام وحتوف ونزوح وأنهار من دماء لا تزيد على أن تكون مجرد نبأ تقدّمه وسائل إعلام غبيّة.‏

وقد يأتي التناصُّ نثرياً؛ بمعنى أن يحدثَ التعالق هذهِ المرّة مع نصوصٍ غير شعريّة، من القرآن الكريم أو الأناجيل أو الأقوال المأثورةِ لشخصيّات تاريخيّة معروفة وما شابه ذلك، وهذا ما رأيناهُ على سبيل المثالِ في قصيدة الشاعر عز الدين المناصرة «المقهى الرمادي» حين وظفَ عبارة امرئ القيس الشهيرة «اليوم خمر وغداً أمر» ليسخَرَ من الواقع العربي المرير، ومن تقاعس الحكام العربِ في طلب ثأرهم من أعداء الأمّة، خالقاً مفارقةً جميلة تلعب دور المحرّك للنص:‏

«وأقولُ: «اليومَ خمرٌ، وغداً ....» يا غرباءْ‏

اسكتوا يا غُرباء‏

«فوراءَ الثأر منا» خُطباء‏

ووراء الثأر منا حُكماءْ»‏

وقد تأتي العبارة القرآنيّة عنواناً للقصيدة مثلما فعل أمل دنقل في قصيدة:»قالت امرأة في المدينة»، وهي استرفادٌ واضحٌ للآية القرآنية من سورة يوسف: وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ [سورة يوسف: 30]‏

وسيستلهم الجو القصصي القرآني، في مواضع كثيرة، والحديث الشريف، وبعض الأقوال المأثورة كمثل قوله:‏

«ملثّماً يخطو/ قد شوّهته النارْ‏

هل يصلحُ العطّارْ/ ما أفسد النفطُ».‏

إلى غير ذلك من أساليب توظيف معطيات التراث الغنيّة، عوناً للشاعر يأتيه من خارج نصّه بطاقاته التعبيريّة الباهرة.‏

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث

عودة

Login

عودة القائمة

Cart

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية - جميع الحقوق محفوظة © 2018