الافتتاحية

كلمة الثورة أون لاين

بذور الأمل.. والقدرات الخاصة

ثورة أون لاين - لينا كيلاني:

تختلف الإعاقات وتظل تصنف تحت عنوان واحد وهو: (الإعاقة).. وكأن الإعاقة قدر لابد من الاستسلام له سواء من أصحابها أم ممن يحيطون بهم، وخاصة إذا ولدت هذه الإعاقة مع صاحبها.
إنهم ليسوا أكثر من أشخاص لهم صفات خاصة لا تستدعي الرثاء، ولا الشفقة بل تستدعي الرعايـــــــة والاحترام.. الرعاية لمن يحتاجها، والاحترام لمن يتفوق على إعاقته بما قد لا يحققه الأسوياء.. وتنعقد الندوات، والاجتماعات في هذا البلد، أو ذاك للبحث عن حلول لهؤلاء.. حلول نفسية، وأخرى جسدية تصحبها أحياناً أجهزة تعويضية يشعر معها أصحابها أنهم أقرب للأسوياء منهم إلى أقرانهم ممن صنفوا على أنهم من ذوي الاحتياجات ويضاف إليها أنها خاصة. والعلم الحديث بتقنياته يعمل على ابتكار وسائل مساعدة لتجاوز الإعاقات بمختلف أشكالها، فالذي يهوى نوعاً من أنواع الرياضة مثلاً يمكن له ولو كان على كرسي متحرك، أو بطرف صناعي أن يمارس هوايته دون أن تحرمه منها إعاقته.‏

وأنا التي رصدت من مؤلفاتي أكثر من عشرة كتب لهؤلاء الذين وصفوا بأن لهم احتياجات يرعاها الغير أو يؤمنها لهم لا أستطيع إلا أن أسميهم أنهم من تميزوا بالقدرات الخاصة لا الاحتياجات، لأن منهم من يتفوق ليس فقط بمقياس إعاقته، أو احتياجه بل بمقياس أقرانه من الأسوياء أيضاً.‏

إن الهدف في مثل هذه الحال لدى أغلب المجتمعات هو إدماج ذوي الاحتياجات الخاصة بمجتمعاتهم.. كما الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة إلى أوسع مدى لمساعدتهم في التغلب على ما يواجهونه من مشكلات صحية.‏

أما إقامة العلاقة المتوازنة بين هؤلاء وغيرهم من الأسوياء من جهــــــــة، وبين أسرهم والجمعيـــات أو الجهات المعنية بشؤونهم سواء أكانت رسمية، أم أهلية من جهة أخرى، فهي غاية بحد ذاتها لأنها تعبر عن تضامن المجتمع كله في رعاية ذوي الاحتياجات أو القدرات الخاصة وصولاً الى إسعادهم، وتشجيعهم، وبث الثقة في نفوسهم.. وكم من نماذج منهم أصبحــــــــوا من المتفوقين، أو من النوابغ، والعباقـــــرة.. وهم كثر من فنانين، وموسيقيين، ورياضيين، وشعراء، وكتّاب، وفلاسفة كأمثال: (المعري) فيلسوف العصر العباسي، والعلامة (طــــه حسين) عميد الأدب العربي، وعبقري الموسيقا (بيتهوفن)، وعالِم الفيزياء الشهير (ستيفن هوكينج)، و(كريس بورك) الذي لم تمنعه (متلازمة داون) من أن يدخل عالم التمثيل وينال العديد من الجوائز، و(مصطفى صادق الرافعي) الذي كان يلقب بمعجزة الأدب العربي، والشاعر المبدع (بشار بن برد)، وغيرهم.. والتاريخ حافل بمثل هذه النماذج المشرقة ذات القدرات الخاصة التي باتت قدوة في الشرق والغرب.‏

وآخر الأبحاث تدل على أن انعزال المعاقين في مؤسسات، أو مصحات، أو ضمن بيوت خاصة بهم لها نتائجها السلبية، فالمعاق لا يتحسن في عاهته مـادام يختلط مع أقرانه في العاهة نفسها، مما يؤدي إلى انعزاله عن المجتمــــع، بينما التوجه الحديث يهدف الى إدماج ذوي الاحتياجات الخاصة في مجتمعاتهم لأن إعاقة واحدة لا تمنع من مهارات أخرى بأعضاء سليمة من الجسم قد تصل إلى حد التفوق، أو النبوغ أحياناً.‏

ومادامت الحياة المعاصرة تجتاح البشر بكثير من الأمراض الغريبة التي يصعب، أو يتعذر شفاؤها، كما إن الأخطار تضاعفت بسبب الحروب، والتفجيرات، والألغام، وغيرها.. فإن على المجتمع أن يظل في نظرته الى هؤلاء كأسوياء، وأن يظـــــــــــل هؤلاء بالتالي مندمجين في مجتمعاتهم حتى يكون الربح دون الخسارة. ولما كان أمر الإعاقــة، أو الاحتياج الخاص ينسحب على كل الفئات العمرية فإن هذا مما يؤكد ليس على ضرورة اندمــــاج المعاق في المجتمع فقط بل على أهمية الجمعيات الأهلية غير الحكومية للتصدي الى هذه الظاهرة التي تزداد تفاقماً وانتشاراً في مختلف بلاد العالم.‏

وما يحدث في أحد المجتمعات يمكن أن يحدث في أي مجتمع آخر، صحيح أن هناك فروقاً قد تبرز هنا أو هناك، أو أن هجمات استثنائية قد تطال مجتمعاً ما دون غيره إلا أن هذه المشكلات أصبحت واقعاً، والتنبه إليها أصبح أمراً ضرورياً.‏

أناس أبرياء لكل منهم قصة وحكاية تجمعهم أقدارهم، ولا تفرقهم احتياجاتهم الخاصة على تنوعها فإذا هم يتحركون، ويتفاعلون مع الحياة وكأنهم هم الأسوياء، أو لعلهم أبطال من أرض الواقع أصبحوا نموذجاً لغيرهم الذين يتفوقون على مشكلاتهم الصحية بالتفاؤل والأمل، وبما تساعد عليه الدول.‏

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث

عودة

Login

عودة القائمة

Cart

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية - جميع الحقوق محفوظة © 2018