الافتتاحية

كلمة الثورة أون لاين

العناية المركزة

 ثورة أون لاين - شهناز فاكوش:

لا أعرف هل أتحدث عن وجعي الذي ما زال في العناية المركزة منذ سنوات ثمان يعود فيها شهر الصيام عاماً بعد عام، وحيداً بعد أن أودع أبنائي في آخر منازل الدنيا، غير عابئ بصبية تنتظر ميلادها وعام تخرجها وفتى احتفل بميلاده قبل أيام.

أم أتحدث عن وجعي على وطن ما زلتُ وإياه؛ في العناية المركزة منذ سنوات ثمان، أتألم كل ليلة، والأبجدية تتعثر على ورقي، تزفر مرَّاً يعتلج في حلقي، وأنا العاشقة لتربه وفراته وبَرَداه، عاصيه وباديته، مآذنه ونواقيس كنائسه، نوارسه غَرَبُهُ ونخيله.‏

ما أصعب أن تكون في قمة الأمل، ترسم للمستقبل آفاقاً تغمر الوطن؛ وحياتك ومن حولك.. ويأتيك النبأ الصاعقة.. يغلف أيامك بضبابٍ أسود.. يحرمك النوم، ويحقن العلقم في حلقك.. بعض الأيام تأمل أن يعوضك الله بخير منها، وبعضها يجتر السواد.‏

ما أصعب أن تعدّنا السنون ولا تزال أيامنا في العناية المركزة.. من غادر لن يعود ونحن نتلمس بصيص ضياء؛ علَّ العافية تعود إلى بعض الأيام، فيفرج عنها من العناية المركزة، رغم وثوقنا أن من سكنوا آخر منازلهم في الدنيا، لهم منا الدعاء.‏

أن يتزامن ذكرى فقد الغاليين رغم فارق زمن الفقد، أمر مؤلم.. موجع.. تضيق الدنيا بما رحبت، ينتابنا نزيز الوجع.. كيف لا ومن تسكنه ويسكنك؛ تتكالب عليه الضباع، وطنٌ الكل يسعى لتدميره.. مشاريع تقسيم سوداوية، ضاع فيها العدو وتاه الصديق.‏

غادر الأب حافظ الأسد تجهمت الدنيا، وَجَعُنَا عميق؛ وجرح الروح غائر.. توسمنا بعده من الدنيا الخير العميم بعد الأسى الأليم.. مع الأسد الشاب.. حكيم سابَقَ الزمن ليكمل الدرب، ناطحنا معه السحاب، ليعلو شأن وطنٍ، تركه الأب أمانة في أعناقنا.‏

شعبك يا أعز الرجال بقيادة سيد الرجال، صمد رغم كل المكائد والتآمر الذي حاق به، ببساطة لأننا تعلمنا الوطنية في مدرستك، التي دَرْسُها الأهم لا مساومة على ذرة تراب.. القائد وجيشنا العقائدي الذي أسسته على عشق الوطن دافع عنه صوناً للأمانة.‏

من خان سقط من ثقوب غربال الأزمة، من منحة الأزمة؛ رغم محنتها.. أن الوطن نَظَّفَ ذاته بكل الشموخ الذي حفظه على مرِّ الزمن. تعلمنا في مدرستك أن خائناً وأميناً لا يجتمعان في ذات الفرد.. وأن الخائن لا مكان له بيننا وكذا الفاسد والمفسد.‏

هل يفهم الفاسدون مستغلو الأزمة، تجار قوت الشعب وأعراضِه، المتاجرون بمنتهى الصفاقة، بعمرِ وفكر الشباب وعقولهم. واستغلال الجهلة في ممارسة صنعة التجهيل والترويج لها.. لأن فيها تنامي مصالحهم الطفيلية. متمثلين (دراكولا) مصاص الدماء.‏

لعل الشارة كانت في السيارة التي شقت الهواء لتنثر أبنائي على رمل جرف البادية، وتتمزق أي ممزق، تراه بفعل فاعل فكانوا أول قربان على مذبح الأزمة في سورية.. أم هو القدر ليضع فيَّ وابنتي قوة نحتمل فيها الآتي من المحن المتساقطة كالشهب..‏

أهو امتحان لقلب أم كان عليها أن تنهض من بركان ألمها، لتكمل درب نضالها في وطن سكنها قبل أن تسكنه، فتكون أنموذجاً يتحامل على آلامه، ليخفف آلام أمهات ثكالى، يزداد عددهن بازدياد موكب الشهداء، الذي لم ينته حتى الساعة.‏

ثمن التضحية أقل تكلفة من ثمن الخضوع والارتهان، مهما غلا الثمن سيظل أقل تكلفة من ثمن ضياع الوطن، وتفكيك عقده الاجتماعي.. وانفلات أخلاقي أرادوه لأبنائه فُقِدَ بعضها. وما زال شرفاؤه يقبضون على الكثير منها، كالقابض على جمر مشتعل.‏

بؤرة الأزمة ترعرع فيها الفاسدون، تضخمت كروشهم فما عادت ثقوب غربال الأزمة قادرة على إسقاطهم.. فهل من مجير.. الفقير ينظر بعينين فقدتا بريقهما وشفاه قشيبة من أثر الجوع الذي بات ضجيعاً لأبواب موصدة تخفي حياء السؤال.‏

هل من محاكم تنصب، أم نكتفي بإبعاد الفاسد عن موقعٍ؛ منحه الشراهة في ابتلاع خير الوطن، ولقمة المواطن وجهد البعض. حتى إن غص بها تكفيه شربة ماءٍ يبتلعها بها.. أما كفى ابن الوطن فقد ابنه ابنته زوجه أمه أباه منزله تعب عمره وشقاء حياته.‏

أصبح المواطن بين حجري الرحى، الغلاء وشظف الحياة من جهة، ولسع عقارب تجار الحرب و(غاسلي) الأموال الذين استنفدوا المنظفات من الأسواق، كادت تشح وما زالت القذارة تلوث الأموال التي يتداولونها، شيءٌ من أهداف الحرب علينا تحقق.‏

هل سيطول زمن وضع المواطن السوري في العناية المركزة، تتقاذفه أيدٍ إن لم تتلوث بالبترو دولار، تلوثت بكثير مما يفسد عقامة العناية المركزة، فلا يستجيب وضعه للعلاج والتعافي، ويبقى سقيماً ما يجعل أزمة الوطن تطول وفيها مصلحتهم.‏

الكرة اليوم في ملعب كل مواطن شريف يمكنه إنقاذ الوطن ومواطنيه.. فليس من اللائق أن تفقد كل التضحيات والدماء الزكية قيمتها وقدسيتها، بحجة العولمة السلبية التي يتشدق بها تجار الحرب، وألا يُحْسَبون في عداد التجار كرمز متعارف عليه.‏

الوطن للشرفاء، هو أمانة الخالد حافظ الأسد في أعناقنا، قاد حرب الدفاع عنه الرئيس بشار الأسد، علينا جميعاً الحفاظ عليه في وحدة أرضه وعقده الاجتماعي الجنة لشهدائه، صبر أمهاتٍ ورجاله جعله أسطورة القرن الحادي والعشرين بامتياز.‏

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث

عودة

Login

عودة القائمة

Cart

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية - جميع الحقوق محفوظة © 2018