الافتتاحية

كلمة الثورة أون لاين

فاتح المدرّس

ثورة أون لاين- سعد القاسم:

وأنا أقلب مجدداً الكتاب التاريخي والأدبي المهم (حكاية اسمها سورية) الذي أنجزه الزميل الصحفي والصديق النائب نبيل صالح استوقفني الفصل الخاص بالفنان المعلم فاتح المدرس، وتحديداً ما يخص علاقته بالفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر،

ليس بسبب الحكاية ذاتها، وإنما بفعل حكاية أخرى استحضرتها الذاكرة، وبفعل بعض تعليقات فنانين مبتدئين تلي كل اهتمام علمي أو احتفالي بفنان كبير.‏

ففي جمع يومي عشوائي لأشخاص من سويات ثقافية ومعرفية متواضعة، كان أحد أشباه المثقفين يجد الفضاء الذي يعشقه لاستعراض معارفه الضئيلة وأرائه العصابية المحكومة بعقد الدونية والضآلة، مستغلاً عدم معرفة شركاء الجمع بالمواضيع التي يتناولها. ويوماً بعد يوم، وبحكم ما سبق، صارت آراؤه تلك تأخذ شكل الحكم القاطع الذي لا يناقش، وصار هو ذاته أكثر (جرأة) في تناول أي موضوع، وإعطاء رأيه الحاسم فيه، حتى لو لم يكن يعرف عنه شيئاً. ومن ذلك حين استمع إلى لقاء مع الفنان المعلم فاتح المدرس تحدث فيه، عن علاقته مع سارتر، وإعجابه بموقفه المتضامن مع الجزائر في كفاحها لأجل التحرر من سيطرة الاستعمار الفرنسي، ولقائه به بمحض المصادفة حين كان المدرس يتابع دراسته في إيطاليا، والصداقة التي نشأت بينهما بعد ذلك ودعت سارتر لاقتناء أربع لوحات من أعمال المدرس أعجب بمراوحتها (بين التجريد الرصين، ووجود الطبيعة كما نراها في الحلم، والإنسان الذي يتمتع بالقوة والغربة والصمت). كما دفعته تلك الصداقة الناشئة إلى ترجمة أربع مقطوعات شعرية لفاتح من الإيطالية إلى الفرنسية، ودعوته لزيارته في باريس، غير أن فاتح لم يلبِ تلك الدعوة فقد آلمه تحوّل سارتر إلى دعم الصهيونية بسبب صبية يهودية عاشت معه في سنواته الأخيرة. وكان كلما فكر بهذا التحول يتساءل: هل حقاً في قلب كل ملاك قاتل محترف؟‏

هذه الواقعة التي تعود إلى أواخر خمسينات القرن الماضي، والواردة في غير مصدر، لم يعلم بها شبه المثقف الدعيّ، ولذلك فهي- وفقاً لعقليته النرجسية المنغلقة- لم تحدث!! وبناء على ذلك فإن خطابه الصباحي في اليوم التالي أمام الجمع العشوائي كان عنها، ولأنه في واقع الحال لا يعرف فاتح المدرس، ويعرف من حلقات المثقفين التي يتطفل عليها أن سارتر شخص مهم، فقد استبعد أن تجمع صداقة بين الاثنين، فعلق على حديث المدرس بسخرية مبتذلة، وأنهى مداخلته (الثقافية) بضحكة هستيرية مجلجلة. ثم ركن إلى راحة نفسه، مخلفاً لدى الجمع المسكين انطباعاً وحيداً مشوهاً عن قامة فنية وثقافية فريدة.‏

هذا النموذج الدعيّ غير نادر في حياتنا الثقافية، والاجتماعية، وهو على بشاعته ليس أكثر سوءاً من منتمين إلى الوسط التشكيلي ذاته، لا يعرفون شيئاً حقيقياً وعميقاً، أو غير مشوه على الأقل، عن المعلمين الكبار، فيسارعون إلى بخس قيمتهم في كل مرة يدور الحديث حولهم، إما باستهجان الاهتمام بتجربتهم من خلال سؤال غبي بليد: (ألا يوجد غيرهم؟)، أو: (هل سنبقى نحكي عن فناني الستينات والسبعينات؟)، أو من خلال حالات متفرقة ذهب فيها بعض الفنانين المبتدئين إلى الشكوى من عدم وجود الآباء (بالمعنى التشكيلي)، وقام فيها عديمو موهبة بتقويم جائر لتجارب عملاقة لا يرتقون إلى نعلها، أو انشغل فيها فنانون يمتلكون أسماء معروفة بالتلهي بالنميمة وترويج تهم شخصية ملفقة عن فنانين كبار، بدل مناقشة خصوصية تجاربهم وأهميتها.‏

صدرت عن فاتح المدرس عدة كتب، وهي على قلة عددها، أكثر مما صدر عن أي فنان تشكيلي سوري منذ عصر الرواد حتى يومنا هذا، ومع ذلك فإن بعض ما يتم تداوله في الأوساط الثقافية، والتشكيلية ضمناً، يشير إلى ضعف الإحاطة بتجربته وأهميتها وتأثيرها كحال كثير من الفنانين الرواد والمعلمين أمثال: توفيق طارق، وميشيل كرشه، وسعيد تحسين، ونديم بخاش، ومنيب النقشبندي، وغالب سالم، ومحمود جلال، وأدهم إسماعيل، ونعيم إسماعيل، ومحمود حماد، ونصير شورى، وناظم الجعفري، ولؤي كيالي، ونذير نبعه، والياس زيات، ونشأت الزعبي، ومروان قصاب باشي، وسواهم. بل ويمكن الحديث، بأسى، عن جهل أعداد كبيرة من خريجي كلية الفنون الجميلة بمن يفترض أنهم امتداد لهم، وبالتالي فقدان صلتهم بتراثهم الإبداعي التشكيلي الحديث والثري رغم حداثة عهده الذي يكاد لا يتعدى مطلع القرن الماضي.‏

يمكن سوق ما لا حصر له من الشواهد التي تؤكد ما سبق، والتي تؤكد بالتالي أهمية عدم توقف الحديث عن فنانين أنتجوا فناً ثرياً وقيماً، لكنه لا يزال مجهولاً من ناسهم.‏

ليس تكريماً لذكراهم وعطائهم فحسب، وهم يستحقونه بكل الأحوال، وإنما صوناً لذاكرة ثقافية وطنية تواجه أشد الأخطار.‏

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث

عودة

Login

عودة القائمة

Cart

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية - جميع الحقوق محفوظة © 2018