الافتتاحية

كلمة الثورة أون لاين

«أبيض.. أسود»

ثورة أون لاين - لينا كيلاني:

عندما قرأت منذ أكثر من سنوات عشر قصيدة كتبها يافع يتميز ببشرة سوداء، لامست قلبي تلك القصيدة، وتأثرت بها، وربما سقطت دمعة، فهذا الطفل الإفريقي استطاع بعبارات قليلة أن يختصر معاناة كانت لأمة لا ذنب لها إلا أنها تتمتع ببشرة سوداء اللون كأشجار الأبنوس الرائعة.
وتساءلت: هل ما زالت عقلية الأبيض والأسود قائمة؟ أم هل اختفت في الممارسة العملية العلنية وظلت العقول تحتفظ بها كنوع من التمييز بين البشر بأعراقهم وأجناسهم، وظلت تأخذ دوراً لها تحت جنح الخفاء؟.. تمييز لا مبرر له إلا عند من يمارسونه، ويعتقدون به.. وهو ما عاد محكوماً بلون بل إنه تجاوز ذلك حتى وصل إلى ثقافات الشعوب ليغزو الأقوى منها ما هو أضعف منه.. تمييز يعتقد من يؤمن به أن البقاء للأقوى.. بينما البقاء في حقيقته هو للأصلح.‏

كما الليل والنهار هما الأبيض والأسود.. لكن ماذا نفعل إذا كان للأبيض قلب أسود أحياناً، وللأسود قلب أبيض كقلب ذاك الطفل الذي قال قصيدة مفعمة ببراءة المشاعر، وبالعذوبة، وبراعة التعبير، فقد استطاع بكلمات قليلة وبسيطة لا تخلو من روح طفولية متفوقة أن يلخص مأساة عبودية عاشت لقرون قبل أن تنتهي لكنها ظلت عالقة في الأذهان: (حين ولدت أنا أسود، حين كبرت أنا أسود، حين أكون في الشمس أنا أسود، حين أخاف أنا أسود، حين أموت أنا أسود، وأنت أيها الأبيض حين تولد أنت زهري، حين تكبر أنت أبيض، حين تتعرض للشمس أنت أحمر، حين تبرد أنت أزرق، حين تخاف أنت أصفر، حين تموت أنت رمادي، وأنت تصفني بأني ملوَّن!؟)‏

هذه القصيدة اعتمدتها الأمم المتحدة عام 2008 على أنها قصيدة ذلك العام، وكأنها بهذا تعلن أننا في الألفية الثالثة ورغم كل ما وصل إليه التطور، وكل ما أحرزه التقديم العلمي الذي قاده أصحاب البشرة السوداء إلى جانب أصحاب البشرة البيضاء، وكل ما تجاوزناه من ممارسات واعتبارات كانت وليدة عصورها، إلا أننا ما زلنا حتى اليوم نتحدث عن الأبيض والأسود، ومنطقهما يسود في مجتمعاتنا بالرغم من الأشواط الحضارية التي قُطعت، وتطور العلوم بفروعها، وبالرغم من أن علم الطب، ومثله علم الوراثة لم يثبت أي منهما أن البشر يقعون في أصناف بل إنهم جميعاً سواء.‏

نتحدث عن هذين اللونين كرمز للتفرقة بين المجتمعات، وفرزها إلى طبقات في درجات الإنسانية، ونحن نبحث عن حقوق الإنسان الضائعة بينهما، وما زلنا ننادي بحقوق كثيرة ليس أولها الحق التاريخي للفلسطيني في أرضه، وحق مستقبلنا الإنساني في ألا يكون تكراراً لأخطاء الماضي بأساليب معاصرة هي أكثر خبثاً ودهاءً من سابقاتها، وما اقترفته أجيال شعوب سبقت بحق غيرها من الشعوب من ظلم، وقهر، وعدوان، واستلاب حقوق. ما زلنا ننادي بأن تصحح المسؤولية عن كل الأفعال التي مضت.. وبألا يسود منطق القوي والضعيف كمبرر للاستيلاء على مقدرات الأمم وثرواتها.. ولا آخر هذه الحقوق ما هو للإنسان عموماً، ومن بعده للطفل ومما تقره الأمم المتحدة، وتضع القوانين لصونه من كل حق هو للطفولة في الحياة من علم، ولعب، ورياضة، وحدائق نظيفة، وممارسة للهوايات، والنزهات، والصحة البدنية والنفسية، والقائمة تطول، في وقت تُغتال فيه حياة الطفل الفلسطيني الذي تجاوز العدو بحقه كل أعراف الإنسانية، وعاد ليفترسه كما وحش الغاب.‏

أنا أسود.. وأنت أبيض.. أنا قطعت شوطاً في الحضارة.. وأنت ما زلت تحبو نحوها.. مقارنات ما زالت تسري بين شرق وغرب، وشمال وجنوب.. ما زالت ترتجف لها الضمائر الحية.. وترتجف لها ضمائر الشعوب نتيجة سياسات قادتها.. وفي أمريكا خاصة حيث تختلط الأعراق، والأصول. وها هم قد قاموا مؤخراً بغلق آلاف الفروع لواحدة من أشهر شبكات المقاهي العالمية بسبب ممارسة عنصرية ليس لها من حقيقة الأمور إلا ظاهرها، ولا من حقيقة الأفراد إلا مظهرهم، أو لون بشرتهم. وقاموا أيضاً بوقف أحد البرامج الكوميدية الذي تبثه إحدى أشهر المحطات التلفزيونية لديهم بسبب تجاوز يحمل كثيراً من عنصرية الكراهية، واستعلاء الرجل الأبيض.‏

وكذلك هي النظرة إلى الحياة لا تكف تتأرجح بين لونين.. هما الأبيض والأسود.‏

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث

عودة

Login

عودة القائمة

Cart

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية - جميع الحقوق محفوظة © 2018