الافتتاحية

كلمة الثورة أون لاين

على صفحة المياه

ثورة أون لاين- شهناز فاكوش:

أحداث تمر في حياتنا موجعة، تترك ندوباً ليس في الذاكرة وحدها وإنما في تأريخ عمرنا، وأحداث تمر خطوطاً على صفحة مياه البحر أو نهر خالد، طال هذا العمر أم قصر، منَّا من عاشها ومنّا من قرأ أو سمع عنها، وجع أبكم بلا قلب، مرتع لظلم وخْيمْ.

في مثل هذه الأيام كُتِبَ بتاريخنا نُدبة؛ سميت نكسة حزيران، تحطمت فيها طائرات مصر وسورية على مدرجاتها، تحطمت معها أقلام الكتاب، وتناثرت أوراق المثقفين، تكسرت أحلام الشباب، ولم يعد من ثقة لأحد بهزيمة العدو الصهيوني (الذي لا يقهر).‏

عدو شرب نخب هزيمتنا، وتجرعنا نحن علقمها، الانطواء روَّعَ بذات النسق مآل النفوس، عندما آفاق الغربة سكنت الوطن، تلف شباب الأمة تحت خيمتها الصغيرة، شباب ما عاد يجيد التعبير عن رأيه، فانصرف لمنظمة التحرير التي أنشئت حينها.‏

ثم كانت حرب تشرين، يومها كان العرب عرباً، انتصر سلاح النفط واصطدنا طائرات العدو بصواريخنا.. كسرنا أسطورة الجيش الذي لا يقهر، التي عششت في أذهان شباب ذلك التاريخ، عَبَرَ الجيش المصري القناة، واقتحم جيشنا حدودنا المحتلة‏

ارتفع العلم الوطني في ساحة القنيطرة، لعبت الحرب دورها؛ في تعزيز ثقة الشباب بقوميته وعروبته، حتى البسطاء من لا علاقة لهم بالثقافة والسياسة، آمنوا بغدٍ لا يخلف الميعاد، نفضوا غبار الأسئلة التي تعسرت إجاباتها بعد الهزيمة.. بفرحة الانتصار..‏

تلك الأيام كتبت ندبة الهزيمة على صفحة المياه، اليوم تعود ذكرى الانتصار لتأتلق في الذاكرة، نتلو صلاة الشكر ونحن في خضم حربِ إثبات الذات، والنوارس البيضاء تحلق فوق مياه البحر والفرات الخالد، تُنْشِدُ للماء والحرية، تحيي ما تقوَّض في الذاكرة.‏

يتحدثون اليوم عن رسوم لحياتنا (بورترات) تعلق على جدران الوطن تصورنا كما يجب أن نكون، لا لن نكون سمكاً بلا غلاصم، ولن نكون قرنفلاً على صفحة المياه تعلمنا في أبجديتنا أن نزرع القرنفل في تربتنا، وننظف بيوتنا من العناكب، هذا كتابنا.‏

فرساناً في ساحات الحرب والحب والمحبة، نفتح بوابات الأمل حيث اللانهاية، ما دام مقاتلنا السوري صلباً، والغيث يرفد ينابيعنا فلا تجف، عندنا الشرعية ممرها الإجباري الشعب، وأداتها الانتخابات، نحن في وطن يهرم فيه الدهر ولا تهرم الأمهات..‏

نغرس وجعنا في الأرض، نسقيه من صولات الحق، وعندما تقترب منا سكين الغدر يتفتت الصخر تحت أقدامنا، نتمرد على قوانين الضرورة، نعتبر كل ما ألم بنا بسبب الحرب، من تهجير وقتل وتشريد وحصار وتجويع، هو في النهاية وعكة وجودية.‏

التضحية والشهادة منذ سفر الأقدمين تصوغ التراب مشغولاً بالدم الطهور مع حبات قلوب الأمهات، كما تصاغ بالذهب المشغول أسورة العروس، أما من كان ارتباطه بوطنه وأمته نفعي فقد سقط من ثقوب غربال الحرب، شأنه شأن المجاميع الإرهابية‏

مهما كان مسار الأيام القادمات سفرٌ من العناء، إلا أنه لا بد منه للعبور إلى زمن الصفاء والبناء، حجارة الوطن المهدمة في مدارسنا ومرافقنا تكفكف دمعها تنتظر من حررها من الاغتصاب ليعيد إعمارها ببصمات حضارية تليق بالمنتصرين.‏

عدونا واحد منذ اغتصاب فلسطين واحتلالها، ها هي تفاصيل حراكه ضد أهلنا في الأرض المحتلة يشابه الحرب على سورية، مجازر جماعية صهيونية هناك بأسلحة بني صهيون، وعندنا بطائرات التحالف الأمريكي الصهيوني، وكذا في اليمن التعيس.‏

مدن اغتيلت أرواحها، والأصل قضية فلسطين، ها هم اليوم يستعدون لمشروع بديل بعد فشل الشرق الأوسط الجديد، وهزيمة الإرهاب في سورية، لعقد مؤتمر تضحي فيه الأردن وطناً بديلاً باسم فلسطين، تباركه ممالك وامارات العمالة والخيانات.‏

هل أصبحت العروبة مخطوطاً على صفحة المياه، بعد كل ما حيك ضدها من صراع الحضارات والعولمة والسامية والثقافات، أم أنها ستولد من جديد، بعد ريح الصقيع التي ضربت الأمة، ومستنقعات الإرهاب التي غذتها أموال النفط الخليجي الترامبي.‏

هل بات الوطن الكبير أضرحة القلوب، وأقدامنا تتجه فقط نحو المقابر، أم بقي للفكر الإبداعي حيزٌ يعزز مستقبل الأمة، هل سيبقى شبابنا ينتظرون على شبابيك غربتهم، في حين لم يعد للإرهاب القادم من عصور الجهل والحقد والظلام مكان على أرضنا‏

لَمْ نتعلم تسفيه الآخر، ولا نفي المسؤولية، علمتنا أبجديتنا أن نكون إخوة، وحب الأم أول النطق، وعشق الأرض بادٍ في عيون من يتضورون جوعاً من قلة الزاد بسبب الحصار، وخواء الزمن في معتقلات الغدر، على مشارف أطلال بلداتنا البعيدة.‏

الأسرار الضبابية المفزعة التي حاولوا تنفيذها على أرضنا السورية، دعمتها الخيانة من المحيط الجائر إلى الخليج الغادر، أولاها ربط المسيحية بالغرب، والمسيح عربي ابن الناصرة، هلوسةٌ ضد الإسلام لتشويه دين الرحمة، والسم الناقع في الإرهاب..‏

دي ميستورا ينفي فائدة المكاسب العسكرية، ويتحدث عن الحلول السياسية طلباً لأمان مفتعل، مع مجازر القصف الأمريكي الغاشم، لنؤيدهم في عقل جمعي مسطح، يتقبل صورة الخائن والجلاد، على أنه المخلص، لعدالة اجتماعية، رسمٌ على صفحة الماء.‏

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث

عودة

Login

عودة القائمة

Cart

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية - جميع الحقوق محفوظة © 2018