الافتتاحية

كلمة الثورة أون لاين

الشاعر مصوراً

ثورة أون لاين- سعد القاسم:

وليست الصورة الأدبية الشعرية هي المقصودة، وإنما الصورة البصرية ببعدها المادي، هي تلك التي نراها هذه الأيام معلقة على جدران المركز الوطني للفنون البصرية

مزينة بتوقيع شاعر سوري استثنائي، سواء قصدنا صياغاته الأدبية الرائعة، أو رؤاه الإنسانية العميقة، أو براعته في التعبير بالحرف المبدع، واللون المبدع، مترجماً في كل ما سبق ذلك الاتحاد النادر بين القناعة والموقف، وذلك الانتماء الحقيقي النقي.‏

يعرف كثيرون نزيه أبو عفش كصاحب واحدة من أهم التجارب الشعرية في العربية، والأقل منهم من يعرف فيه جانب الفنان التشكيلي رغم أنه يمتد بعيداً في عمق تجربته الإبداعية، والمعرض الذي افتتح مساء الأحد الماضي يتيح رؤية ذلك الجانب، أو على حد تعبير رئيس مجلس إدارة المركز الفنان غياث الأخرس: رؤية التجربة التشكيلية لشاعر هو باقتدار واحد من شعراء (كانوا رسامين مدهشين ومختلفين ومميزين عن أقرانهم انطلاقاً من جمعهم لمواهب مختلفة). وقد لا يكون مهماً هنا البحث عن نقاط الالتقاء والتباين بين التجربتين الشعرية والتشكيلية لنزيه أبو عفش بقدر البحث عن خصوصية كل منهما رغم أنهما تنبعان من المبدع ذاته، وربما تتناوبان في تقديم حالات إنسانية يتجاور فيها السخط مع التأمل، والأرجح أن الأول كان بفعل الثاني، وهذا ما يبدو جلياً في موقفه الجلي غير الموارب منذ رسالته الجوابية الشهيرة على دعوة مرتزقة الثقافة لمشاركتهم اعتصامهم التهريجي العنصري في ساحة بيروت عام 2005، وما تلاها، وما سبقها.‏

اتسمت أعمال نزيه أبو عفش التشكيلية منذ أواخر القرن الماضي بنزعة تعبيرية تستوقفها أحياناً علاقة الإنسان بمحيطه، وتغريها، غالباً، مسحة تأملية عميقة تكسو وجوهاً غائمة الملامح (أحياناً)، ويستكملها مناخٌ لوني ينقل للمشاهد حالة صوفية خاصة تتخطى ما هو آني ومكاني لتصل لجوهر المطلق الإنساني.‏

لم تكن أعمال نزيه أبو عفش التشكيلية معنية باستعراض المهارة التقنية أو البراعة الفنية، بقدر الحرص على تسجيل الحالة التأملية للحظة تكّون اللوحة، ومع ذلك فإن لوحاته تمتعت على الدوام بتناغم لوني ثري، وبناءٍ تشكيلي متماسك، ولما انتقل من عالم الألوان إلى عالم الأبيض والأسود - وقد يكون أكثر رحابة- أضاف إليهما إحساساً غرافيكياً عالياً مكّنه من بيان التباين الحاد بين الأبيض والأسود رغم فسحة الرماديات الواسعة بينهما، والتي برع الفنان - الشاعر في إدراك مدىً بلا ضفاف لدرجاتها وتواترها.‏

التقنية، والأسلوب، عند نزيه أبو عفش ليسا غاية لذاتهما، وإنما وسيلة ليقول من خلالهما بالصورة ما لم يقله بالكلمة، عن وجوه تحولت إلى حجارة، وصخور صارت وجوهاً، عن مسيح تعرض للخيانة، عن أحلام معلقة بالسماء، عن حكايات وفيرة تكتنفها الخطوط والألوان في كل لوحة، وتدعو المشاهد لاكتشافها. نزيه يطوّع التقنية، والأسلوب، للتعبير عن فكرة ما، أو رؤية ما، أو حكاية ما، أو نبوءة..!. ألم يسأل كثيرون بعد سنوات مريرة جسدت مخاوفه وهواجسه إن كان قد تنبأ بما حصل، ويحصل، بزمن طويل سبقه؟..نزيه لم يقبل يوماً فكرة التنبؤ فهي لا تلتقي مع قناعاته، فالشاعر، والفنان، الحالم فيه لم يتعارض يوماً مع المتأمل الذي يعيش زمانه ومكانه بكل التفاصيل، وربما يكون هذا أحد أسباب تألقه كشاعر وكاتب ومفكر ومثقف وإنسان.‏

في أحد أحدث نصوصه يصف بيته - الحلم الذي يشبهه فيقول:‏

شجرةٌ تَـتَـوَسّطُ غرفةَ النوم،‏

قطعانٌ من العصافيرِ والجنادبِ والحرادينِ والفراشات‏

تَـتَثاءبُ وترعى وتُـغَـنّي في صالةِ الضيوف،‏

غيمةٌ مُـعَـلَّـقةٌ بخِيطانِ نفسها... تَـتَـأرجحُ دامعةً تحتَ السقف،‏

الموسيقا تَسيلُ مِن الحيطانِ والحنفيّاتِ وشقوقِ النوافذ،‏

أعشابٌ سورياليّـةُ الملامحِ تَمدُّ أعناقَها مِن شقوقِ البلاطِ والخزائن،‏

أزهارٌ غامضةُ الأسماءِ والمنشأ (ولا مانعَ مِن وجودِ عوسجةٍ هنا أو هناكْ)‏

وكثيرٌ كثيرٌ مِنَ الندى وأزهارِ السيكلامان،‏

و... لا بَـشَـر (لا بَـشَـرَ، إلّا أَقَـلّهم و أَقَـلّـهنّْ)‏

و...: ما أجملَ الدنيا!‏

وهناك، هناكَ في زاويةٍ ما،‏

هاتفٌ عتيق (هاتفٌ أسودُ، ثقيلٌ، ذو قرص)‏

يَرنُّ بين الحينِ والآخَر‏

مُـبَـشِّراً بأصواتِ أحفادِنا، والناجينَ مِنْ أصحابِنا... ومَنْ نُحبّْ.‏

حقّاً: ما أجملها!‏

_______‏

ليست الأعشاب وحدها السوريالية وإنما النص بأكمله، ولكن هل تبتعد هذه التصورات السوريالية عن الواقع؟‏

هي في واقع الحال ترجمة إبداعية، أو صياغة فنية مبتكرة، لرؤى عقلانية تستند إلى قراءةٍ دقيقةٍ عميقةٍ لراهن الحال لتشرف على القادم. فيوم تناثرت الوعود الوردية في الفضاء كعاصفة رمال تحجب ملامح الأرض، ظل أميناً لبصيرته فلم يرَ في نذر الربيع القادم نسمات حياة، وإنما عواصف تقتلع كل جميل تبقّى، فغرد خارج قطيع الناعقين فاتُّهم و خوّن، ليس لأنه خان ما كانه.. وإنما لأنه بقي على ما كانه..‏

قال في همروجة المهللين للخراب القادم: ليته لا يكون.. وبعد سبع عجاف قال بعضهم: ليته لم يكن!! فكيف يروه وهو لم يخذل الثقافة ولم يخن الانتماء، ويصبح غيره أبرياء لأنهم ربما تابوا، وربما ثابوا، بعد سنوات استحضروا فيها غيوماً أمطرت موتاً وظلماً وحزناً ويأساً وخراباً.‏

صاحب القامة العملاقة: ستبقى كلماتك، كل كلماتك، ولوحاتك، كل لوحاتك، شعراً يعشق الضمائر وتعشقه، ولو حاولت إيهامنا أنك لم تعد تتقن صنعة الشعر.‏

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث

عودة

Login

عودة القائمة

Cart

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية - جميع الحقوق محفوظة © 2018