الافتتاحية

كلمة الثورة أون لاين

«القدس.. في دائرة التزييف العميق»

ثورة أون لاين - لينا كيلاني:

(التزييف العميق) هو ما يطلقونه على واحدة من تلك التقنيات القذرة التي ابتكروها لتغزو مجال الصور، وأفلام الفيديو باستبدال وجوه بوجوه، وأجساد بأجساد حتى ليخيّل للمرء أن ما يقع تحت سمعه وبصره هو أصيل، وليس مزيفاً..
تقنية حديثة تفوقت على نفسها في دقتها، وسهولة استخدامها، وفي قدرتها على انتهاك خصوصية الأفراد إلى حد الإجرام. ومن التزييف أيضاً ما أخذه الغرب من منجزات حضارة الشرق في العلم، والمعرفة ليغذ في طريقها، وكأنه هو الذي عثر عليها، ومهد السبيل لها.‏

إلا أن تزيفاً أعمق وأخطر بكثير، وهو التزييف العميق بحق، ذلك الذي يأخذ مساره في درب الشيطان ليكتب التاريخ على هواه.. فيمحو منه ما يشاء، ويضيف إليه ما يريد، بل ويروضه كما ترويض هذه التقنيات الحديثة لمستخدميها.. فيُحل أحداثاً مكان أخرى، وأسماءً دون غيرها، وتواريخ هاربة من سجل الزمن، وينسج على هواه الأساطير ليخرج بها إلى العالم على أنها حقائق أكيدة كانت في أزمنة بعيدة مغرقة في القِدم، بينما لم ترد إشارات لها، أو دلالات على وجودها من ضمن ما وصلنا عن حضارات أخرى عاصرت، وزامنت تلك الأساطير المزعومة.. فإذا بالتزييف والتضليل يُعملان فأس الهدم في آثار الحضارات القديمة في منطقتنا حتى لا تكون شاهدة على بطلان تلك الادعاءات. إنه تزييف الصهيونية العميق.. بل الأكثر عمقاً وخطورة على مر التاريخ بادعاء الحق الإلهي في قدس الأقداس.‏

لكن للحضارات، وللشعوب ذواكرها التي لا يمكن لأحد من محوها على مر العصور والدهور.. فهذه الذواكر، كما الشواهد تسجل وتوثق ما لا يروق للغزاة الجدد الذين ما زال السبي البابلي يحفر آثاره في مواضيهم ذلاً وامتهاناً، وصولاً إلى هذا الزمن الصهيوني الذي يختبئ أبناؤه الآن وراء دمية بيضاء امتلأت خزائنها بالذهب، ومن قبلها دمية سوداء، وكل منهما تذكرني بتلك الدمى المفخخة التي كان يلقي بها الإسرائيليون في أزقة القدس الضيقة ليلتقطها أطفال الفلسطينيين ببراءة طفولتهم فإذا بها تنفجر بهم، ولا تورثهم إلا الموت أكيد.‏

وبحجة السلام الذي سيعم العالم بعد أن استولوا على مدينة القدس، والآن يمهرونها باسم بني صهيون، أقول بتلك الحجة الواهية إنما يحاولون أن يكسروا أطواق الغيتوهات التي عاشوا فيها دهوراً بين شعوب الأرض وأممها... ولولا أنهم كذلك لما كانوا أوجدوا لأنفسهم أحياءً حيثما وجدوا في شتاتهم اللامتناهي ينضمون فيها إلى بعضهم بعضاً في مجتمع مغلق عششت في عقول أبنائه تلك الأساطير التلمودية.‏

لقد كرس الفكر الصهيوني على مدى أجيال لاختيار القدس عاصمة لكيان الدولة الغاصبة متجاوزاً الحقوق التاريخية لمن عاشوا فوق تلك الأرض وهي لهم، وهم منها.. والحلم الأزلي لا يتوقف عن أن يداعب مخيله بني اسرائيل ببناء هيكلهم المزعوم الذي لم تثبت التنقيبات الأثرية حتى الآن حقيقة وجوده كما تروي رواياتهم.‏

وها هم اليوم.. وأكثر من أي يوم.. يزوّرون التاريخ بادعاء أنهم يصنعونه، ويقنصون الفلسطينيين الثائرين أصحاب الحق الأول والأخير في القدس، وفي أرض فلسطين.. ويقتنصون صمت شعوب، وخداع أخرى لحبك أكاذيبهم التي تعود إلى مسافة ألفي عام.‏

التزييف العميق.. صحيح أنه قد أورث جرحاً نازفاً يصل إلى القلب من جسد كل عربي يؤمن بالحقوق العربية إلا أن جدران القدس لن تهادن، وتراب أرضها، وكل مقدس فيها سيظل يهمس للتاريخ أن هؤلاء من أبناء صهيون وجبل الهيكل ليسوا سوى دخلاء سيعبرون من هذه الأرض مهما طال بهم الزمن شأنهم شأن كل مَنْ عبر من هنا لتظل القدس عربية تتلألأ بأنوار السماء.. أما الوجدان فهو الذي سيظل ينبض بحق الرحمن.. لا بادعاءات الشيطان.‏

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث

عودة

Login

عودة القائمة

Cart

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية - جميع الحقوق محفوظة © 2018