الافتتاحية

كلمة الثورة أون لاين

زيـنـــة

ثورة أون لاين- سعد القاسم:
هو عنوان الفيلم السينمائي الذي يعرض (سراً) منذ السادس من الشهر الحالي في صالتي كندي دمشق ودمر، وأقول سراً لأن أيّاً من الأصدقاء والمعارف

المتابعين للشأن الثقافي لم يعلم بالفيلم، ولا بالعرض، بحكم ضعف الإعلان عنه، وكذلك ضعف الاهتمام الإعلامي اللاحق، مع استثناءات نادرة ومنها استضافة السيدة ألمى كفارنة لمخرج العمل وبطلته في برنامجها الدافئ (أفلاك) على قناة سورية دراما.‏

يقدم الفيلم مجموعة من الطامحين الشباب في المشاركة السينمائية الأولى لمعظمهم، بمن فيهم كاتب الفيلم ومخرجه معن مايز الجمعة، رغم تجربته السابقة مع مشروع دعم سينما الشباب، ذلك أن تلك التجربة (الشبابية) يمكن اعتبارها تحضيراً لمشروعه السينمائي الاحترافي الذي تجلت أول معالمه في (زينة) و فيه خرج من إطار الأفلام القصيرة المحكومة بمدتها، وشروط تحقيقها الزمنية والتقنية. بنى المخرج سيناريو الفيلم، فالفيلم، على الذاكرة البصرية لبطلته كما حفظتها في كاميرا الفيديو الشخصية، وقد أتاحت له هذه الحبكة البسيطة والذكية في آن معا أن يعرض الحكاية بواقعيةٍ تمتلك قدراً كبيراً من الصدق و الإقناع، محرراً نفسه من السرد التقليدي المعتمد على التسلسل الزمني للوقائع، ودون أن يفرط بالتفاصيل الضرورية التي باجتماعها واكتمالها تكتمل صورة الحكاية بكل أبعادها، أشبه ما يكون بحال ألعاب الصور المجزأة (Puzzle). ففي المشهد الأول من الفيلم نرى بطليه وهما (يحملقان) بنا، وسرعان ما سندرك أنهما يسجلان مقطع فيديو يوثق تلك اللحظة، وبهذا الإدراك تبدأ ألغاز الفيلم بالتكشف مع كل مشهد محفوظ في ذاكرة الكاميرا المكتظة حيث يتكئ المخرج أيضاً على فكرة مفتوحة الأفق، حين تقرر (زينة) مسح بعض المقاطع القديمة لتفسح المجال لتسجيل الوقائع القادمة، مستعرضة مع المشاهد وقائع سجلتها بكاميرتها في أوقات سابقة تقدم بوحدتها وتكاملها صورة عن الفترة القصيرة السابقة للحظة الراهنة، صورة مختزلة لكنها كافية لكي نتعرف على بطلي الفيلم.‏

يمكن القول إن الفيلم يعتمد أسلوب الـ(فلاش باك) أو (الخطف خلفاً،وفق تسمية المعجميين العرب) غير أن هذا «الخطف خلفاً» هنا لا يرتبط بالذاكرة الإنسانية، وإنما بذاكرة آلة التصوير، وعلى هذا فقد تفتقد الصورة المستعادة لمشاعر اللحظة التي استحضرتها، لكنها بالمقابل تحتفظ بانسجامها (الواقعي) والبصري مع الصورة الآنية، وقد ساهم هذا الحال في خلق حالة من التشويق في غير مشهد ومنه المشهد الذي تصور فيه (زينة) زوجها وهو يتسلل بعد منتصف الليل إلى المطبخ ليلتهم أوراق الخس التي يحبها، فقد جاء هذا المشهد المستحضر من ذاكرة الآلة إثر حديث عن جولة (زينة) الاستكشافية في البيوت المهجورة المجاورة بما أحدث لدى المشاهد حالة من الترقب والقلق (الهيتشكوكي) وهو يرافق الكاميرا في رحلتها بين الجدران المظلمة وصولاً إلى ظل رجل كل ما يفعله في هذا الظلام الغامض هو التهام الخس.‏

ترك المخرج لمشاهد فيلمه مهمة ترتيب المشاهد المبعثرة، ليكتشف أنها لزوجين شابين من بيئة متوسطة الدخل، يقومان ببناء مستقبلهما بجهد وحب وتفاؤل، رغم خسارتهما للجنين الذي أفرحهما كثيراً خبر تكّونه. الزوجة شغوفة بالتصوير، والزوج يحقق أمنيتها بشراء آلة تصوير تصبح ملازمة لحياتها وكأنها دفتر مذكرات يومي يحفظ كثيراً من الوقائع، يُستدعى الزوج للخدمة العسكرية ولا يفوت على الزوجة تسجيل لحظات عشاء الوداع، وبعد وقت قصير تعلم (زينة) أن زوجها جريح ومحاصر في بيت مهجور، وتنجح بإرادة حازمة في الوصول إليه باذلة كل ما في وسعها لمساعدته على مواجهة الأوقات الصعبة التي يعيشها، دون أن تخسر للحظة عزيمتها ومرحها وتفاؤلها.‏

بشكل ما يحيل فيلم (معن جمعة) الذاكرة إلى موجة الأفلام الواقعية، والإيطالية خاصة، التي ظهرت في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، ففيلمه، مثلها، اعتمد على فكرة إنسانية بسيطة وممكنة الحدوث، دافعاَ المشاهد للتفاعل معها واستنتاج دلالاتها، بعيداً عن الإبهار التقني، وإلى حد الاستغناء عن أي شكل من أشكال الموسيقا التصويرية والمؤثرات البصرية التي تسيء إلى واقعية العمل، وقد نجح بالوصول إلى غايته بوضوح رؤيته وحسن انتقائه لفريق عمله وفي مقدمته الممثل الشاب البارع لجين إسماعيل، والذي استطاع في وقت قصير أن يصقل خبرة في الوقوف أمام كاميرا السينما والتلفزيون، كما في الوقوف على خشبة المسرح. والممثلة الشابة علياء سعيد في ظهورها السينمائي الأول، علياء التي تستعد للتخرج بعد أسابيع قليلة من قسم التمثيل في المعهد العالي للفنون المسرحية قدمت أداءً مدهشاً ومفعماً بالحيوية وملائماً تماماً لشخصية زينة. وإلى جانب الممثلين نجح السينوغراف هاني جبور في تأهيل المكان بما يناسب بيئة النص وإنجاز الملصق الأنيق والمعبّر، ومثل ما سبق يمكن قوله عن عمل مدير الإضاءة و التصوير حسن حبيب يونس، وعن كلمات الشاعر عروة حبيب، وغناء وعد زينو.‏

(زينة) يقدم وثيقة بصرية إبداعية عن حرب بشعة شنت علينا منذ سبع سنوات وما تزال..عن أحلامنا المنكسرة، وأحلامنا العنيدة التي تأبى التفتت.‏

(زينة) أيضا تحية للمرأة السورية التي تقف في مقدمة الجبهة المقاومة..وعلى قمة هرم التضحية والصمود ورباطة الجأش..‏

www.facebook.com/saad.alkassem‏

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث

عودة

Login

عودة القائمة

Cart

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية - جميع الحقوق محفوظة © 2018