الافتتاحية

كلمة الثورة أون لاين

«مغامرة.. بلا مخاطرة»

ثورة أون لاين - لينا كيلاني:

هي ليست قارة أتلانتيس المفقودة.. ولا هي حضارة الإنكا الغامضة.. ولا هي الكهوف الأولى حيث خبأ فيها الإنسان أول خطوط الرسم على الجدران الصخرية.. ولا هي تلك السفن الفضائية التي
تنطلق بعيداً لتجوب آفاق السماء.. ولا هي أيضاً السفن التي تجوب أعالي البحار.. وإنما هي المغامرة التي تبحث عن كل ذلك مهما كانت المخاطر التي تحيط بها، أو الأهوال.. بل هو التوق لكشف الغطاء عن بئر الأسرار العميقة.‏

والمغامرة على أنها حب الاكتشاف لا تقف عند حدود الانتقال بالجسد لممارسة ما قد يكون خطِراً أو مميتاً، بل إنها تذهب الى أبعد من ذلك لتكون في الفكر، والعلم، وقد تجرأ الفلاسفة، والعلماء منذ أقدم الأزمان على خوض مغامراتهم الفكرية، والعلمية التي أثمرت ما فيه خير للبشرية. والمغامرة مستمرة على مدى مسيرة الحضارة.. لكن المعاصِرة منها أصبح لها أشكال جديدة يعيشها من يتحمس لها، ويقدم عليها وهو بمنأى عن المخاطرة كمثل الألعاب الإلكترونية وهي تنتقل بمستخدمها الى أجواء من الحماسة والإثارة، ودون الحاجة لخوض التجربة على أرض الواقع والتعرض لأخطارها، إذ يكفي الإحساس بها ولو كان مزيفاً.. والأمر ذاته ينطبق على قصص الرعب التي غدت (ظاهرة) لدى الشباب إذ يقبلون عليها دون غيرها من القصص لتسجل كتبها أعلى المبيعات، ولتصبح بالتالي نقطة تحول عند كثير من الكتّاب والناشرين الذين تنبهوا الى الإقبال الجماهيري الكبير عليها.‏

ليس هذا فحسب، بل إن السفر في البحر من أجل الاكتشاف أصبح له أيضاً شكل جديد وقد غدا ظاهرة كذلك من خلال تلك السفن الفارهة التي تغري برحلات الى الأماكن البعيدة في أعالي البحار ربما، أو الى الجزر النائية، وصولاً الى المناطق القطبية غير المطروقة أو المألوفة، أو حيث الكتل الجليدية العملاقة، وقد حُسب لهذه الرحلات ألف حساب قبل أن تتحقق، ومع ذلك ظلت تُرصد، وتُصنف على أنها رحلة المغامرة، والشركات المنظمة تتنافس فيما بينها، وتتنامى عروضها المغرية في استقبال (المغامرين) لو جازت التسمية في هذا المقام.‏

وحتى الكتّاب الذين يبحثون عن الإثارة والمغامرة ليرصدوا لها الصفحات مما يكتبون فلم يعودوا يكلفون أنفسهم عناء التعب والمخاطرة على طريقة الكاتب الأميركي (إرنست همنغواي) الذي خاض حربين عالميتين، ورصد الحرب الأهلية الإسبانية، لينعكس ذلك بحرارة في أدبه ما جعله يفوز بأرفع الجوائز الأدبية.. بل إن ما هو متاح لهؤلاء من مثل هذه الرحلات، أو من أفلام البعد الثالث، أو الواقع الافتراضي، وغيرها، ما بإمكانه أن يسرّب الى النفس إحساس المغامرة، ودون القيام بها حقيقة.‏

فإذا كان الأمر كذلك وهو لا يتعدى الشعور، فلماذا إذاً قام الإنسان بالسفر الى الفضاء في أكبر مغامرة للجنس البشري؟.. ألم يسجل بخطواته فوق سطح القمر، ورصده للكواكب والمجرات قفزة علمية هائلة ما كان له أن يحققها ما لم يذهب بعيداً اليها؟.. أم إنها أصبحت الآن هي الإثارة وكفى في تجاوز لتعريف المغامرة على أنها تلك التجربة المثيرة غير مأمونة النتائج، والآثار؟!‏

وبعد أن غدت كل الوسائل متاحة في وقتنا الراهن فقد تقلصت المسافة بين الخيال والحقيقة، وأصبح كل إنسان يبحث عن مغامرته الخاصة، وعلى طريقته الخاصة، وتماماً كما يرغب، وحسب مستويات جرأته.. وتجربته هذه، إما أنها تحفزه للمزيد، والى ما هو أبعد إذا نجحت، أو أنها قد تقطع صلته مع الفكرة من أساسها، والى غير عودة ربما.‏

أجل.. هكذا غدت المغامرة المعاصِرة، وهي لم تعد تعترف بالمفهوم التقليدي للفكرة من حيث الإقدام بجرأة على ما هو غير مألوف، ولا يمكن تجاوز مخاطره.. لتقع عند حدود الآفاق الجديدة لممارستها التي تنتقل بصاحبها الى الإثارة دون خسارة.‏

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث

عودة

Login

عودة القائمة

Cart

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية - جميع الحقوق محفوظة © 2018