الافتتاحية

كلمة الثورة أون لاين

مشروع قانون مجهولي النسب يتكامل مع قانون الأحوال الشخصية

ثورة أون لاين:

نقاشات ساخنة تحت قبة مجلس الشعب استمرت على مدى يومين حول مشروع القانون الجديد المتعلق برعاية مجهولي النسب، ومن أصل 57 مادة يتضمنها مشروع القانون وافق الأعضاء على 24 مادة ليصار إلى استكمال مناقشة المواد المتبقية في جلسة الأحد في الرابع والعشرين من حزيران الجاري.
يواكب جلسات المناقشة الكثير من الجدل والآراء المتباينة حول مشروع القانون فمنها ما يرى فيه ضرورة وحاجة اجتماعية ملحة لتوفير الرعاية لشريحة مجهولي النسب ويرى أن مشروع القانون يوفر مظلة رعائية وقانونية متكاملة لهذه الشريحة، ومنها ما يعارض المشروع المذكور من نواح متعددة وبدرجات متفاوتة من الاختلاف مع مضمون مشروع القانون وغاياته، ومن هذه الآراء غير الراضية عن المشروع ما يبدي تفهماً للجوانب والغايات الإنسانية التي يهدف إليها القانون ولكن يعارض جوانب أخرى تتعلق بالتسجيل والجنسية وبعض جوانب الرعاية، ومنها ما ذهب إلى أبعد من ذلك بالتشكيك بغايات القانون وأهدافه وتوقيته وصولاً إلى تصويره كخطر محدق بالمجتمع وبأنه يعنى بشريحة كانت نتاج ما أفرزته الحرب الإرهابية وبأن شريحة مجهولي النسب هي تركة الإرهابيين التي ستشكل تهديداً وخطراً مستقبلياً على الأمن الاجتماعي.‏

تنظيم لأحكام القانون‏

القاضي الشرعي الأول محمود المعراوي: يرى أن مشروع قانون مجهولي النسب الذي يناقش حاليا تحت قبة مجلس الشعب ليس بالجديد فمشروع القانون الجديد إنما هو تنظيم لأحكام قانون اللقطاء وإعادة تقييم لمواده بما يتناسب مع المستجدات التي نجمت عن الحرب في سورية، وظهور أعداد من الأطفال مجهولي النسب، وبالنظر إلى المنظومة القانونية المعمول بها في سورية، يرى أن مشروع القانون يأتي بشكل متكامل ومنسجم مع قانون الأحوال الشخصية. وموضوعية فهم سياق القانون تقتضي البيان بأن المشروع ليس إطاراً قانونياً جديداً (كما تصوره بعض الآراء المنتقدة) فالواقع بأن القوانين التي نظمت التعامل مع حالة مجهولي النسب (اللقطاء: كما كان يشار إليهم سابقاً) قائمة وموجودة والمرسوم التشريعي رقم (107) الصادر عام 1970 المعمول به حالياً والمعروف (بقانون رعاية اللقطاء) نظم كل ما يتعلق بشؤون هذه الشريحة بما في ذلك تسجيلها ومنحها الجنسية وضمان حصول أفراد هذه الشريحة على حقوق الرعاية كافة، موضحا أنه وبنظرة مقارنة بين القانون /107/ ومشروع القانون المطروح نرى أن مشروع قانون رعاية مجهولي النسب قيد المناقشة حالياً لم يخرج في أطره العامة ولاسيما في الجوانب التي أثارت الكثير من الجدل والآراء السلبية حوله عما هو موجود ومعمول به في المرسوم رقم (107) خاصة ما يتعلق بالدين والجنسية.‏

وأشار إلى أنه حتى الآن لا توجد إحصائيات دقيقة لمجهولي النسب باستثناء معلومات تفيد بأن هناك مايقرب من 270 مجهول نسب تم تسجيلهم في السجل المدني على أسماء آباء وأمهات مفترضين، مبينا أن التطوير الذي تم من خلال مشروع القانون المطروح تناول بشكل خاص إجراءات ومعايير الرعاية بما في ذلك تكريس وتعزيز مفهوم الرعاية البديلة، بما يوفر مزيدا من الضوابط والوضوح والمرونة من النواحي الإجرائية والعملية ولاسيما بالنسبة لتسجيل مجهولي النسب ورعايتهم ضمن الدور وفقاً لأدوار دقيقة أُنيطت بوزارة الشؤون الاجتماعية وبدور الرعاية وكذلك بالأسر التي يمكن أن يتم إلحاق مجهولي النسب بها.‏

وأضاف أن القراءة الدقيقة لمشروع القانون تبين أن المشروع الجديد تناول في مادة التعاريف وفي مادة نطاق سريان القانون تعريفاً أدق لمجهول النسب وكذلك تحديداً دقيقاً لمن تنطبق عليهم أحكام القانون سواء من ناحية العمر أو من ناحية الوضع بالنسبة للوالدين، حيث يشمل القانون من لم يتم السابعة من العمر ولا يعرف والداه، منوها بأن مشروع قانون مجهولي النسب سوف يكون إطارا يحمي المجتمع من أي بؤر ممكن أن يؤدي إهمالها أو التغاضي عن رؤيتها إلى تحولها إلى قنابل موقوتة تسهم في رفع نسب الفساد الاجتماعي والجريمة وغيرها من المنعكسات السلبية التي يمكن أن تنجم عن ذلك.‏

نائب رئيس إدارة قضايا الدولة إحسان خيو: يرى أن الحرب أفرزت آثارا سلبية قد لاتمحى بسهولة ومن بينها وجود أعداد ليست بالقليلة من مجهولي النسب، الأمر الذي يقتضى الإسراع بإصدار تشريع لهذه الشريحة تضمن لها الحياة والمساواة، كون لاذنب لهم بالمجيء إلى هذه الحياة ويتعين العناية بهم ورعايتهم من قبل مؤسسات الدولة إلى السن الذي تمكنهم من الاعتماد على أنفسهم ليكونوا أفرادا مفيدين في المجتمع، وبدوره المجتمع ينبغي أن يغير نظرته لهذه الفئة من الناس وإلا فإن مجرد تغيير الاسم من اللقطاء حسب القانون النافذ إلى مجهولي النسب لن يغير من الأمر شيئا.‏

القاضي يامن صالح: القوانين تتبدل وتتغير حسب الحاجة وأنا مع إصدار قانون مؤقت ينظم هذه الحالات الشاذة بما يتوافق مع القيم الإنسانية، فبالمحصلة هؤلاء الأطفال موجودون ولاذنب لهم والمفروض رعايتهم حتى يستطيعوا الاعتماد على أنفسهم كي يصبحوا أفرادا صالحين في هذا المجتمع.‏

ضمان التنشئة السليمة‏

المحامي فيصل سرور عضو مجلس إدارة رابطة الحقوقيين: أكد أننا بحاجة ماسة للإسراع في إقرار هذا القانون لضمان حقوق شريحة مجهولي النسب والحفاظ على مصالحها وحمايتها من التعرض للإساءة والتمييز والمعاملة اللاإنسانية والإهمال ومشروع القانون تضمن أحكاماً واضحة تتعلق بثبوت النسب أو البنوة ومعالجة الآثار الناجمة عن ذلك، وهذا يحقق ضمانة إضافية لشكل ودقة الإجراءات والأحكام المتعلقة بهذه الشريحة، كما أن قراءة القانون بشكل كلي ولاسيما أهدافه تبين أن هذه الأهداف واضحة لناحية ضمان التنشئة السليمة لمجهولي النسب ورعايتهم وضمان تمتعهم بالحقوق التي يتمتع بها أقرانهم، دون أن ينص على أي مزايا أو أوضاع تفضيلية لمجهولي النسب في أي جانب من جوانب الرعاية عن أقرانهم، كما تضمنت أهداف الرعاية والتزامات الجهات المكلفة بها، ترسيخ القيم الوطنية والإنسانية لدى مجهولي النسب وإعدادهم لحياة مسؤولة في مجتمع متماسك متضامن وهذه الأهداف والالتزامات تشكل حالة من الاطمئنان لنوع ونمط الرعاية وسياق التنشئة التي سيخضع له مجهولو النسب المشمولون بالقانون.‏

ويضيف سرور: لكن لي تحفظ على المادة التي تتعلق بالوصاية فمن المعلوم أن الوصاية سلطة تسوغ لصاحبها تدبير شؤون الموصى عليه الشخصية والمالية، وفيها أن المتبرع أو الكفيل يمكن أن يكون شخصيا أو اعتباريا، وتحفظي هو على الكفيل الاعتباري الذي يمكن أن يكون مؤسسة أو جهة ما، وبالطبع تملك أجندة معينة يمكن أن تؤدي إلى عواقب وخيمة لاتحمد عقباها فيما لو كانت لاتتماشى مع مسيرة الحياة في البلاد، وهنا أطالب بالسعي لتشجيع الجمعيات الخيرية وتدريب كوادرها ودعم قدراتها لرعاية مجهولي النسب، إضافة إلى وجهة نظر تتعلق فيما لوكان مجهول النسب من ذوي الإعاقة وضرورة استبدال هذه الكلمة بكلمة أخرى تراعي مشاعره وكرامته الإنسانية كي لا تزيد وزر إعاقته.‏

أما من استطلعنا آراءهم من المواطنين فالأغلبية تؤيد صدور مثل هذا القانون الذي سيحمي المجتمع من جيل مجهولي النسب سيتحول إلى بؤرة فيما لو تم إهماله والتغاضي عن رعايته، مؤكدين أن الدولة برعايتها الأبوية والإنسانية لهؤلاء حتى يستطيعوا الاعتماد على أنفسهم وحمايتهم من التأثيرات المحيطة بهم ستساهم بشكل فعال في أن يصبحوا أعضاء فعالين في مسيرة التنمية والتطور للبلاد وتزيد من حصانة المجتمع السوري ضد أي تأثيرات سلبية في حال لم تشملهم مظلة حقوقية ورعائية مناسبة، أي كانوا غير مسجلين في سجل الأحوال المدنية (وفقاً للضوابط التي نص عليها القانون) أو غير مشمولين بأي شكل من أشكال الرعاية والتربية السليمة، وهذا سوف يقود إلى نتيجة واحدة حتمية هي حالة خطر اجتماعي وانحرافات سلوكية تشكل هاجساً أكبر بكثير من أي مخاطر يمكن أن تنجم عن هذه الشريحة وهي تحت مظلة الرعاية والرقابة والمتابعة، فضلاً عن أن القانون يتيح التدخل المناسب بالتوقيت المناسب لمعالجة أي أمور تتعلق برعاية هذه الفئة التي لا بد من رعايتها لضمان تعافي المجتمع. كي تؤمن الرعاية البديلة عن الأسرة.‏

لم يتضمن القانون أي جوانب تمييزية في التزامات الجهات العامة سواء من النواحي التعليمية أو الصحية أو الاجتماعية أو غيرها تختلف عما يقدم لأي طفل سوري، وهنا من المؤسف والمستغرب أن تتم المقارنة بين مجهولي النسب وأطفال الشهداء حيث ذهبت بعض الآراء المعترضة إلى تصوير القانون وكأنه يعطي الحقوق والرعاية لمجهولي النسب على حساب أطفال الشهداء، وهذا سياق غير موضوعي وغير لائق بالطرح والمقارنة، فأطفال الشهداء هم الأمانة الأغلى وهم في صلب اهتمام الدولة والمجتمع وحقوقهم ورعايتهم مصانة ومكفولة ولا يتقدم عليها من حيث الأولوية أي شيء آخر عرفاناً بالتضحيات وإكراماً للشهادة والشهداء.‏

تقييم مشروع القانون يحتاج إلى أن يقرأ أولاً بشكل عميق ودون أحكام مسبقة وأن يفهم سياقه وغاياته قبل أن تثار حوله الآراء السلبية، ومن هنا لا بد من أن يعطى هذا المشروع حقه من الدراسة والتحليل قبل أن يتم الحكم عليه بالسوء، ويبقى السؤال الجوهري الذي تمليه مسؤوليتنا الوطنية والاجتماعية إن لم يكن هذا القانون فما الحلول البديلة لمعالجة ظاهرة موجودة ولا يمكن تجاهلها أو التعامل معها كأنها غير موجودة؟.‏

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث

عودة

Login

عودة القائمة

Cart

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية - جميع الحقوق محفوظة © 2018