الافتتاحية

كلمة الثورة أون لاين

طلبــات الفتيــات التــعجيزيــة تســــهم بالمشــكلة .. «عنوســـة» الرجــال.. إقامة الأعراس الجماعية تفعيل لدور المؤسسات الاجــتماعية

ثورة أون لاين- هلال عون:

درجت العادة لدى شعوبنا ومجتمعاتنا العربية على إطلاق صفة «العنوسة» على النساء فقط.. لكن الظروف الاقتصادية الصعبة والعادات السيئة المتمثلة بارتفاع تكاليف نفقات الزواج أدت إلى تضييق السبل على الكثيرين من الساعين للارتباط والزواج.
(الثورة) التقت عددا من الشباب «العانسين» وبعدد آخر من الصبايا.. إضافة لاختصاصيين اجتماعيين ورجال دين للوقوف على آرائهم حول خطورة العنوسة ومقترحاتهم لحلها.. لعلنا نسهم في لفت أنظار الهيئات المجتمعية لتقوم بواجبها في التخفيف من الآثار السلبية لهذه الحالة قبل أن تصبح ظاهرة.‏

‏غالب.خ ( جامعي - 40 سنة) يقول: بدأت علاقتي بالجنس الآخر منذ مراهقتي، وهو ما ترتب عليه عدم إحساسي بالحاجة إلى الزواج. وأعترف أن من سلبيات تعدد العلاقات خاصة في مقتبل سن الشباب هو التشكيك في نجاح العلاقة الزوجية مستقبلاً.‏

أما علي. كردية (42 سنة، طبيب) فيقول: رفضت الزواج لأنني بعد تخرجي من الجامعة اصطدمت بالتقاليد، فشروط الزواج بالنسبة لي يجب أن تقتصر على رغبة الطرفين في الزواج ليتم الارتباط.. أما أن يكون الحفل في بيروت أو باريس، وأن يكون المهر مبالغاً فيه وخرافياً فإنني أرفض الزواج مباشرة، وهذا ما حصل معي تحديدا.‏

ويتابع علي: الفتيات يسهمن بشكل غير مباشر في عنوسة الرجال التي تنعكس عليهن بسبب كثرة مطالبهن أو رفضهن الزواج ممن يتقدم إليهن إلا بشروط تعجيزية. كما أن أكثر الذين يتزوجون بمبلغ زهيد هم الذين يستمر زواجهم للنهاية لأن قطار العنوسة يمر بسرعة جنونية ولا ينقلب إلا على راكبيه.‏

ضاع العمر‏

مهران. ع (49 سنة مصور تلفزيوني): فقدت الثقة في هذه الدنيا، فلم يعد همي أن أكون متزوجاً أو أباً، ورغم امتلاكي مقومات العيش الكريم فلا يهمني ولا أفكر فيمن سيرثني بعد مماتي! فقد ضاع عمري بحثاً عن المال لأتزوج، وعندما جاء المال ضاع العمر؟ وأضاف: أنا الآن أقضي معظم وقتي في العمل وعلى الكومبيوتر، سواء في العمل أو في المنزل لأملأ وقتي، فتكونت لدي القناعة بعدم الزواج الذي يمتلئ بـ «النكد» والمطالبة بالحقوق والواجبات ومصاريف الأولاد.‏

رامي. ع ( 48 سنة مهندس) يقول: « نعم للاستقرار.. لكن حريتي الشخصية أهم».. هذه القناعة التي تكونت لدى رامي لم تكن وليدة اللحظة بل سبقتها خبرات لهذا الشاب مع العديد من الفتيات كما يقول: تعرفت عليهن عن قرب، فما حاجتي للزواج؟ أما الإمكانات المادية فلا علاقة لها بعنوسة الرجال برأيي وليست السبب الأهم في عدم زواجهم.‏

رامي الذي أغنته تجاربه عن الارتباط والزواج يرفض الزواج من فتاة لها تجارب سابقة ويقول: نعم هذا ما أخّر زواجي حتى الآن، عدم ثقتي وكثرة شكوكي منعاني من خوض هذه التجربة إلى أن وجدت نفسي وحيداً.‏

تزوجت غيري‏

ويحكي رضوان. س (44 سنة مدرّس) عن تجربته الشخصية: أحببت زميلتي في الجامعة وكانت ظروفي المادية غير جيدة.. وكنت سأبدأ من الصفر مع زوجة المستقبل في شقة متواضعة كنت أملكها.. وتخيلت أن ذلك متاح، فبادرت لخطبتها من أهلها لكنهم رفضوا بشدة بسبب الفارق المادي بيننا، فتحطم قلبي وضاع حلمي وتزوجت من غيري، وشيئاً فشيئاً نسيت حلمي ولم تعد لدي رغبة في الزواج.‏

وسام. م 46 سنة: رغم أنني (موظف) لكن مشروع الزواج أصبح حلماً من الصعب تحقيقه على ارض الواقع بالنسبة لي لاستحالة توفر السكن المستقل, فكيف لي أن أفكر بالزواج وأنا لا أملك منزلا؟ باختصار عدم توفر منزل مستقل هو سبب عزوفي عن الزواج.‏

ويؤكد وسام: مشكلتا العمل والسكن تعتبران العائق الكبير للزواج بالنسبة لأي شاب.. فقد حاولت كثيراً الحصول على عمل إضافي لأتمكن من توفير منزل صغير للزواج، لكنني لم أفلح حتى الآن.. وهذا الأمر سبب لي مشاكل نفسية وإحباطا وقلقا وجعلني لا أفكر بالمستقبل، فمن وضعه مثل وضعي يعتبر بلا حاضر أو مستقبل، فالزواج أصبح مستحيلاً بالنسبة لي.‏

المسؤولية‏

فادي. ش (41 سنة معد برامج تلفزيونية): إذا كانت صعوبات الحياة هي من دفعت وسام للعزوف عن الزواج فإن الهروب الاختياري من الزواج هو الذي دفع فادي إلى العزوف عن الزواج، حيث يقول: يوجد العديد من الشباب يعملون ليلاً ونهاراً من أجل توفير المال للزواج، لكن بالمقابل أصبحنا نشاهد في السنوات الأخيرة ظهور العديد من الشباب يملكون العمل والبيت والمال، وكل الإمكانيات المادية، لكنهم يعزفون عن الزواج هرباً من المسؤولية، كونهم يعتقدون أن الزواج يضع حداً لحريتهم ويحمّلهم مسؤوليات هم في غنى عنها.. ويضيف فادي: لا أفكر بالزواج مطلقاً في الوقت الحاضر رغم أن إمكانياتي تسمح بهذا.. والسبب أني لا أريد أن أتحمل مسؤولية العائلة.‏

محمد. ح (39 سنة موظف) يبدي أسفه الشديد لعدم استطاعته الارتباط بمن أحبها منذ 6 سنوات، ويحمّل أهلها المسؤولية: تقدمت لخطبتها ولكن أهلها يصرون على السكن المستقل لأنه من الصعب على ابنتهم السكن مع عائلة كبيرة مثل عائلتي ووضعي المادي لا يسمح بسكن مستقل مع ارتفاع أسعار الإيجارات حتى لو كان سكناً بسيطاً, لهذا أصبح زواجي مرهونا بسكن مستقل.‏

 

ويؤكد محمد: للأسرة دور رئيسي في حماية الشباب، وعلى الآباء والأمهات تيسير الأمور وخفض المهور، وتقليل الطلبات قدر الإمكان، ومساعدة الأبناء بالسكن معهم، وإقناعهم بضرورة تحمل المسؤولية، والصبر مع الشريك من أجل بناء أسرة تنعم بالسعادة والمحبة.‏

أما غيلان. ج (45 سنة موظف) فيقول: إن متطلبات عائلتي تفوق بكثير قدرتي على توفير بعض المال لأجل الزواج.. وأرى أن الغلاء وارتفاع الأسعار المستمر يؤدي لعزوف الكثير من الشباب عن مجرد التفكير في الزواج، حتى لا يزداد وضعهم سوءاً أكثر مما هو عليه.‏

و يضيف غيلان:الشاب بمفرده بالكاد قادر على أن يكيف نفسه مع الحياة البسيطة التي يعيشها، فكيف إذا أصبح لديه زوجة وأولاد يحتاجون إلى الكثير لتتوفر لهم حياة كريمة وتعليما ومستقبلا أفضل مما وجدنا أنفسنا فيه اليوم.‏

أيهما أهم؟‏

أردنا استطلاع آراء بعض الصبايا فيما يتعلق بالمبالغة بطلبات الزواج، حيث قالت رشا ( 33 عاما موظفة): رغم تواضع حالة أهلي المادية إلا أنني غير مضطرة لأن أعيش فقيرة مع أي شاب حتى ولو كانت تجمعنا علاقة حب، وأنا أنطلق في ذلك من مقولة: « إذا دخل الفقر من النافذة هرب الحب من الباب».‏

كندة ( 32 سنة موظفة ) تجيب على سؤالنا حول شروطها للقبول بالعريس: إن شروطي لا يستطيع أي شاب أن يحققها.. ومن هذه الشروط أن يكون الشاب ميسور الحال ومتعلماً ومن أسرة معروفة.. والأهم من هذا كله أن يكون جميلاً، ونظراً لأن هذه الصفات قد لا تتوفر في أي شاب فأنا سأنتظر حتى أحصل على فارس أحلامي بشروطي.. لا بشروط الآخرين.‏

هبة. ن (معلمة 35 سنة) لم تختلف كثيراً عن رشا وكندة، حيث قالت إنها رفضت عروضاً كثيرة للزواج لأن الشباب الذين تقدموا لخطبتها لم يحققوا لها أدنى شروط الحياة الزوجية المستقرة،إضافة إلى عجزهم عن تلبية متطلبات الخطوبة المترفة.. لذلك كانت ترفضهم.. وعند سؤال ميساء عن متطلباتها قالت: إنها كانت تطلب أن تكون الخطوبة في أفخم صالات الأفراح، إضافة إلى خاتم الخطوبة الثمين والكثير من الثياب والحلي والمنزل والسيارة.‏

رأي علم الاجتماع‏

الاختصاصية الاجتماعية الدكتورة رشا شعبان تحدثت عن أسباب عنوسة الرجال وأهم الأخطار المترتبة عليها قالت: إن هناك أسبابا من أهمها:‏

ـ أن تكون ظروفه المادية سيئة جدا لا يستطيع امتلاك أو استئجار منزل ولا يقتنع بالسكن هو وزوجته مع أهله.‏

- لا يحبّ الاستقرار، ويخاف من تحمّل المسؤوليّة.‏

- ضعيف الشخصيّة أو لايتجرّأ على اتخاذ قرارات مصيريّة.‏

- يشكو من تعقيدات نفسيّة.‏

- عاش صدمة عاطفيّة ولم يستطع الخروج منها.‏

وعن الأخطار المتعددة قالت يمكن إجمالها بالتالي: الأخطار الاجتماعية: الانسان - كما هو معروف - يحمل الخصائص البشرية بغرائزها ونزعاتها وتوجهاتها المختلفة، وإذا ما حدث خلل في مسار الحياة الاجتماعية للإنسان كظهور وانتشار مشكلة العنوسة والعزوبية بين النساء والرجال ولبست هذه الحالة الاجتماعية ثوب الظاهرة المستشرية ثم استمرت آماداً طويلة في المجتمع دون علاج ولا استيعاب لأسبابها وآثارها القريبة والبعيدة فإنها ستخلف حتما عواقب وخيمة في الأخلاق والاقتصاد والاجتماع الإنساني على المدى العميق.‏

الأخطار الأخلاقية: الإنسان بفطرته وغرائزه ورغباته ونزعاته ميال إلى إشباع هذه الغرائز وتلك الرغبات والاستجابة لنداءاتها وتوجهاتها.. ويستوي في ذلك الرجال والنساء.. ولكن إشباع هذه الغرائز، ومنها غريزة الجنس يجب أن يتم وفق الطريق السديد والمنهج الرشيد المحدد في إطار الزواج فإذا خرج الإنسان عن هذا الإطار الأخلاقي اتسم بالبهيمية الممجوجة التي لا تقف عند حد، بل تستعر كلما انغمس الإنسان في الحرام، كما هو مشاهد في المجتمعات الغربية المنفتحة في مجال الإباحية الهوجاء.‏

الأخطار النفسية: يذكر علماء النفس أن تأخر سن الزواج يؤدي إلى انحرافات جنسية منها اللواط والزنى والبغاء والعادة السرية والإفراط الجنسي والاستعراض الجنسي.. ومن أسباب هذه الانحرافات إضافة إلى العنوسة وتأخر سن الزواج يأتي الحرمان الجنسي..ولذا لابد للإنسان السوي من إشباع غرائزه وتحقيق الإعفاف.. ولابد مع ذلك من أمن النفس وهدوء الأعصاب واستقرار الضمير وفراغ البال.. وسبيل ذلك الزواج في إطاره الأخلاقي.‏

الأخطار الاقتصادية: المجتمعات التي ترتفع فيها نسبة العنوسة والعزوبية تكثر فيها الجرائم الأخلاقية كالزنا واللواط والسرقة والاغتصاب والقتل وتناول المخدرات والمسكرات، وهذه الجرائم لابد لها من مكافحة ومقاومة كيلا تنغص معيشة الآمنين، ولا تتم هذه المكافحة وهذا التهذيب والتأديب إلا بمجهود ضخم.. والأهم من هذا أن الأموال المنفقة في مكافحة الجريمة وقمع المجرمين تستثمر في مرافق أخرى تعود على المجتمع بالخير والنفع الوفير فينمو اقتصاده وتزدهر حضارته وتتهذب عوائده ويكون المجتمع بذلك آخذاً في مدارج الحضارة والرقي.‏

حفلات الزفاف الجماعية‏

مدير إفتاء دمشق الأستاذ بكلية الشريعة بجامعة دمشق الدكتور علاء الدين الزعتري يلتقي بالرأي مع الباحثة الاجتماعية الدكتورة رشا شعبان لجهة المشاكل الأخلاقية التي تنتجها عنوسة الرجال، حيث يقول: أي مجتمع لا يقْدم شبابه على الزواج سيواجه انتشار الفاحشة والرذيلة كبدائل للزواج لتفريغ طاقة الشباب الجنسية التي حالت دون تفريغها في الحلال عدة عوامل، لعل من أهمها الأزمة الاقتصادية التي تعيشها مجتمعاتنا العربية، والمغالاة في المهور وصعوبة تجهيز عش الزوجية، والبطالة وضعف الأجور، لدرجة بات معها طلب الحلال أصعب بكثير من طلب الحرام.‏

الدكتور الزعتري يرى وجوب أن تتخلى الأسر عن العادات الدخيلة على موروثاتها، وهي المغالاة بالمهور وحفلات الزفاف باهظة التكاليف التي عادة ما تقام بدافع التبجح والتقليد الأعمى. كما يقترح أن يقوم الأغنياء بمساعدة الفقراء على الزواج عبر تقديم الزكاة وذلك في إطار التكافل الاجتماعي.‏

وربما يدخل في إطار الحلول برأيه أن تتكفل الحكومات والشركات ومؤسسات المجتمع المحلي بمصاريف حفلات الزفاف الجماعية لتوفير المصاريف الباهظة، ويختم بالقول: لابد من إغلاق كل منافذ الرذيلة بتسهيل أمر الزواج وتخفيف المهور، والعناية بمؤسسة الأسرة وتحصينها من كل أسباب الوهن والانهيار وإقامة العلاقات الزوجية على المحبة والاحترام.‏

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث

عودة

Login

عودة القائمة

Cart

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية - جميع الحقوق محفوظة © 2018